أحمد بن محمود السيواسي
237
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
السبع بالسمن ، يعني رأيت تلك البقرات السمان خرجن من بحر النيل ( يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ ) أي سبع بقرات هزلى في غاية الهزال خرجن من النيل بعدهن ، يعني ابتلعت العجاف السمان فدخلن في بطونهن فلم ير منهن شيء « 1 » ، ولم يظهر على العجاف منهن شيء ، وال « عِجافٌ » جمع عجفاء وأعجف ، وأفعل وفعلاء لا يجمعان على فعال لكنه حمل على سمان ، لأنه نقيضه وهم يحملون النقيض على النقيض كما يحملون النظير على النظير ، ولم يقل « سبع عجاف » بالإضافة ، لأن التمييز لبيان الجنس ، وال « عِجافٌ » ليس بجنس بل هو وصف ، وهو لا يقع بيانا لشيء إلا إذا أجري مجرى الاسم كقولك خمس فرسان ( وَ ) أرى ( سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ ) قد انعقد حبها ( وَ ) أرى سبعا ( أُخَرَ يابِساتٍ ) قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليهن فلم يبق منهن شيء ، ف « أُخَرَ » نصبه « 2 » ، صفة ل « سَبْعَ سُنْبُلاتٍ » ، ويجوز أن يكون صفة ل « سُنْبُلاتٍ » بالعطف على « خُضْرٍ » ، ولا يجوز أن يعطف على « سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ » ، فيكون مجرور المحل « 3 » ، أي على المميز ، لأنه يؤدي إلى تدافع الحكمين ، إذ العطف عليها يقتضي أن يكون « أُخَرَ » معها مميزا ل « السبع » المذكور ، ولفظ ال « أُخَرَ » يقتضي أن يكون غير السبع وهو فاسد ، ثم قال ( يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي ) أي فسروا لي ( فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ ) [ 43 ] أي تفسرون ، واللام للبيان . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 44 ] قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ ( 44 ) ( قالُوا ) رؤياك ( أَضْغاثُ أَحْلامٍ ) جمعان ، جمع ضغث وهو الحزمة من النبات ، وجمع حلم ما يري في النوم ، أي مربوطات الأحلام المختلطة لا يصح تأويلها ، والإضافة فيها بمعنى « من » ، أي أضغاث من أحلام ، وإنما جمع مع أن ما رأي حلم واحد ، لأنه أريد زيادة في وصف الحلم بالبطلان فهو من قبيل فلان يركب الأفراس وما يركب إلا فرسا واحدا ( وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ ) المختلطة ( بِعالِمِينَ ) [ 44 ] لبطلانها عند المعبرين . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 45 إلى 46 ] وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ( 45 ) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ( 46 ) ( وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما ) من القتل وهو الساقي ( وَادَّكَرَ ) أي تذكر قول يوسف اذكرني عند ربك ( بَعْدَ أُمَّةٍ ) أي بعد مدة طويلة ، وهي سبع سنين ( أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ ) فجثا بين يدي الملك ، وقال إن في السجن رجلا يعبر الرويا ( فَأَرْسِلُونِ ) [ 45 ] أي أرسلني أيها الملك إليه وإنما خاطبه بلفظ الجمع تعظيما له كما يخاطب الملوك به ، يعني ابعثوني إليه لأستعبره في السجن « 4 » « ولم يكن السجن في المدينة يومئذ » ، قاله ابن عباس « 5 » ، ووصف للملك تعبير يوسف الرؤيا وصدق تعبيره وأخبره بحال يوسف وعلمه وحكمته كما ينبغي ، فأرسله إليه فأتى السجن ، فلما دخل عليه اعتذر إليه بما أنساه الشيطان ذكر ربه ، فقال ( يُوسُفُ ) أي يا يوسف ( أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ) وهو كثير الصدق ، وإنما قاله لأنه تعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه حيث جاء كما أول « 6 » ( أَفْتِنا ) أي أخبرنا عن رؤيا الملك ( فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ ) أي هزلى ( وَ ) في ( سَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ سبع ( أُخَرَ يابِساتٍ ) فان الملك رأى في المنام هذه الرؤيا ، وما عبرها أحد من أهل مصر ( لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ ) أي إلى الملك وأصحابه من غير صارف لي في الطريق ( لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ) [ 46 ] تأويله هذه الرؤيا أو يعلمون قدرك ومنزلتك من العلم والفهم ، فيكون ذلك سببا لخلاصك من السجن ، فعبر يوسف رؤياه وهو في السجن .
--> ( 1 ) يعني ، + س . ( 2 ) « سنبلات خضر » معا : أخفى التنوين في الخاء مع الغنة أبو جعفر وأظهر غيره . البدور الزاهرة ، 163 . ( 3 ) فيكون مجرور المحل ، م : فيكون ، ب ، - س . ( 4 ) يعني ابعثوني إليه لأستعبره في السجن ، ب س : - م . ( 5 ) انظر البغوي ، 3 / 288 ؛ والكشاف ، 3 / 80 . ( 6 ) وإنما قاله لأنه تعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه حيث جاء كما أول ، ب س : - م .